أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
384
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الظاهر أن الخطاب للكفار ، وضمير النصب للأصنام ، والمعنى : وإن تدعوا آلهتكم إلى طلب هدى ورشاد - كما تطلبونه من اللّه - لا يتابعوكم على مرادكم . ويجوز أن يكون الضمير للرسول والمؤمنين ، والمنصوب للكفار ، أي : « وإن تدعوا أنتم هؤلاء الكفار إلى الإيمان . ولا يجوز أن يكون « تدعوا » مسندا إلى ضمير الرسول فقط ، والمنصوب للكفار » أيضا ، لأنه كان ينبغي أن تحذف الواو ، لأجل الجازم ، ولا يجوز أن يقال : قدر حذف الحركة وثبت حرف العلة ، كقوله : 2376 - هجوت زبّان ثمّ جئت معتذرا * من هجو زبّان لم تهجو ، ولم تدع ويكون مثل قوله تعالى : إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ « 1 » ، فَلا تَنْسى ، لا تَخافُ دَرَكاً ، وَلا تَخْشى ، لأنه ضرورة . وأما الآيات فمؤولة ، وسيأتي ذلك ، وقد مضى منه جملة . قوله : لا يَتَّبِعُوكُمْ قرأ نافع بالتخفيف ، وكذا في الشعراء يَتَّبِعُهُمُ ، والباقون بالتشديد ، فقيل : هما لغتان ، ولهذا جاء في قصة آدم فَمَنْ تَبِعَ ، وفي موضع آخر اتَّبَعَ . * وقيل : « تبع : اقتفى أثره ، واتّبعه ، بالتشديد : اقتدى به » . والأول أظهر » . قوله : أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ هذه جملة اسمية عطفت على أخرى فعلية ، لأنها في معنى الفعلية ، والتقدير : أم صمتم ؟ . وقال أبو البقاء : « جملة اسمية في موضع الفعلية ، والتقدير : أدعوتموهم أم صمتم ؟ . « وقال ابن عطية عطف الاسم على الفعل » ، إذ التقدير : أم صمتم ، ومثله قول الشاعر : 2377 - سواء عليك النّفر أم بتّ ليلة * بأهل القباب من نمير بن عامر « 2 » قال الشيخ : « وليس من عطف الفعل على الاسم ، إنما هو من عطف الإسمية على الفعلية ، وأما البيت فليس فيه عطف فعل على اسم ، بل من عطف الفعلية على اسم مقدر بالفعلية ، إذ الأصل : سواء عليك أنفرت أم بت . وإنما أتى في الآية بالجملة الثانية اسمية ، لأن الفعل يشعر بالحدوث ، ولأنها رأس فاصلة » . والصّمت : السكوت ، يقال منه : صمت يصمت ، بالفتح في الماضي ، والضم في المضارع ، ويقال : صمت ، بالكسر ، يصمت ، بالفتح ، والمصدر : الصّمت والصّمات . وإصمت ، بكسر الهمزة والميم : اسم فلاة معروفة ، وهو منقول من فعل الأمر من هذه المادة . وقد رد بعضهم هذا بأنه لو كان منقولا من الأمر لكان ينبغي أن تكون همزته همزة وصل ، ولكان ينبغي أن تكون ميمه مضمومة ، إن كان من « يصمت » ، أو مفتوحة إن كان من « يصمت » ، ولأنه كان ينبغي ألّا يؤنث بالتاء ، وقد قالوا : إصمتة . والجواب أن فعل الأمر يجب قطع همزته إذا سمّي به ، نحو : « أسرب » ، لأنه ليس لنا من الأسماء ما همزته للوصل إلا أسماء عشرة ، ونوع الانطلاق من كل مصدر زاد على الخمسة ، وهو قليل ، فالإلحاق بالكسر أولى . وأما كسر الميم فلأن التغيير يؤنس بالتغيير ، وكذلك الجواب عن تأنيثه بالتاء . قوله : إِنَّ الَّذِينَ . العامة على تشديد « إِنَّ » ، فالموصول اسمها ، و « عِبادٌ » خبرها . وقرأ سعيد بن جبير بتخفيف « إن » ونصب « عِبادٌ » ، وأمثالكم . وقد خرجها أبو الفتح ابن جني وغيره أنها « إن النافية » ، وهي عاملة عمل « ما » الحجازية ، وهذا مذهب الكسائي ، وأكثر الكوفيين ، غير الفراء ، وقال به من البصريين ابن السراج والفارسي وابن جني ، واختلف النقل عن سيبويه والمبرد ، والصحيح أن إعمالها لغة ثابتة نظما ونثرا ، وأنشدوا :
--> ( 1 ) سورة يوسف ، آية ( 90 ) . ( 2 ) انظر البيت في تفسير الطبري ( 13 / 321 ) ، البحر المحيط ( 4 / 442 ) .